خلف جدار الملحق
البارت الأول: صندوق الذكريات الميتة
لم يكن الملحق الخارجي القابع في زاوية بيت جدي مجرد بناء إسمنتي قديم مهجور أكلت الرطوبة أطرافه، بل كان بالنسبة لنا نحن الأحفاد منطقة محظورة جرى عليها قانون صارم لا يقبل النقاش. لطالما ترددت على مسامعنا تلك العبارة الجافة والصارمة التي تطلقها أمي كلما رأت نظراتنا الفضولية تتجه نحو ذلك المكان: "لا أحد منكم يقترب من باب الملحق، من يضع قدمه هناك سيتحمل ما يأتيه". كانت النوافذ العالية للملحق مغطاة بستائر داكنة وثقيلة، تراكمت عليها أتربة السنين حتى غدت كلوح مصمت يحجب كل ما بداخلها عن العالم الخارجي، بينما ارتدى الباب الخشبي الثقيل قفلاً حديدياً ضخماً، صبغته سنوات المطر برداء سميك من الصدأ البرتقالي، ليعلن للجميع أن ما وراءه هو سر أُغلق بعناية فائقة ليبقى مدفوناً إلى الأبد.
في تلك الليلة العاصفة والموحشة بشكل غريب من شتاء عام1998، انقطع التيار الكهربائي فجأة عن الحي بأكمله. خيم ظلام دامس وسكون مهيب على أرجاء المنزل، ولم يكن يُسمع في المدى سوى صوت حفيف أوراق الأشجار العنيفة واصطدام قطرات المطر الغزيرة بزجاج النوافذ كأنها تحذير من قادم مجهول. كنت أقف في غرفة المخزن القديمة وسط المنزل، أبحث وسط الركام والعلب المهملة عن كشاف الإضاءة اليدوي لتفتيح تلك العتمة الحاضرة. وحينما كانت يدي تتحسس الرفوف الخشبية المتآكلة، تعثرت قدمي بصندوق معدني صغير كان مخفياً خلف دفاتر جدي القديمة. سقط الصندوق على الأرض بقوة، وانفتح غطاؤه ليخرج منه مفتاح حديدي طويل، ذو أسنان غريبة ومعقدة التصميم، لم يسبق لي أن رأيت مثله طوال حياتي في هذا البيت.
لم أحتج إلى ذكاء كبير لأدرك الحقيقة؛ فملامح ذلك المفتاح وشكله العتيق كانا يتطابقان تماماً، وفي مخيلتي، مع ذلك القفل الضخم الذي يكبّل باب الملحق المهجور. شعرت برعشة خفيفة تسري في أطرافه، مزيج مرعب وممتع من الخوف والفضول الحارق الذي لطالما كبته لسنوات طويلة.
أمسكت الكشاف بإحكام في يدي اليسرى، وتسللت بخطوات متثاقلة وحذرة عبر الحوش الخارجي الممتد بين البيت الرئيسي والملحق. كانت قطرات المطر الباردة تلامس وجهي، والهواء البارد يلفح عنقي كأنه يحاول دفعي للتراجع، لكن قدمي لم تستمعا للتحذير. وقفت أخيراً أمام الباب الخشبي العتيق، وكانت أنفاسي تتسارع ونبضات قلبي تقرع صدري كالطبول في ساحة معركة. رفعت يدي المرتجفة، ووضعت المفتاح داخل تجويف القفل الصدئ.. وفجأة، دار المفتاح بسلاسة مريبة وغير متوقعة أصابت جسدي بالقشعريرة، كأن القفل كان ينتظر هذه اللحظة منذ عقود.
انفتح الباب بصرير حاد ومزعج كسر صمت الليل، وفاحت من الداخل فوراً رائحة خانقة، خليط من الغبار المتراكم، والرطوبة العتيقة، ورائحة أوراق قديمة تحللت بفعل الزمن. وجهت ضوء الكشاف النحيل نحو الداخل بهدوء؛ لم يكن المكان يحتوي على أثاث فاخر أو قطع أثرية ثمينة كما كنت أتخيل في طفولتي، بل كان هناك ركام عشوائي من الصناديق الكرتونية الممزقة، ومرآة طويلة مكسورة الأطراف ومغطاة بقماش أسود بالي، وفي نهاية الملحق تماماً.. استقر جدار إسمنتي يبدو غريباً جداً، حيث كان طلاؤه وبناؤه يبدوان حديثين مقارنة ببقية الجدران المتهالكة للمكان.
دفعتني غريزتي للاقتراب من ذلك الجدار الغامض. مشيت ببطء فوق الأرضية المتربة تاركاً خلفي آثار أقدام واضحة، ورفعت يدي لألامس السطح الإسمنتي البارد. وأثناء تحريك ضوء الكشاف لأسفل الجدار، لاحظت شيئاً لم يكن طبيعياً؛ كان هناك شق صغير وضيق للغاية في الزاوية السفلية، وتبرز منه حافة قماش قطيفة ذي لون أحمر داكن كدم جاف. انحنيت على ركبتي دون اهتمام بالغبار الذي لوّث ملابسي، وأمسكت بتلك الحافة البارزة وسحبتها بكل ما أوتيت من قوة.
تحرك قالب طوبي فضفاض من مكانه محدثاً صوتاً مكتوماً، وخلف الفراغ الذي تركه ذلك القالب، لم يكن هناك مجرد تجويف فارغ أو جدار ممتد، بل كان هناك صندوق حديدي صغير مستطيل الشكل، صُمم بعناية فائقة ليُخفى في هذا المكان المحدد. وفوق الصندوق مباشرة، استقرت ورقة مطوية بعناية، اصفرّ لونها بفعل الزمن، ومكتوبة بخط يد مألوف جداً لقلبي.. خط يد جدي المتوفى، وكانت الكلمات المكتوبة بحبر أسود ثقيل تقول حرفياً:
"من يعثر على هذا الصندوق.. فقد نبش قبراً لم يكن ينبغي له أبداً أن يُفتح في هذه الحياة. تراجع فوراً وأعد القالب إلى مكانه إن كنت حريصاً على سلامة من تحب، فالأسرار التي تبقينا أحياء.. قد تكون هي نفسها التي تنهي وجودنا إذا خرجت للنور".
وقفت مذهولاً والرسالة تهتز بين أصابعي، ونظرت إلى الصندوق الحديدي المغلق الذي يرقد أمامي في عتمة الليل، متسائلاً: أي سر مرعب كان يخبئه جدي خلف هذا الجدار؟ وهل أملك الشجاعة لفتح الصندوق ومواجهة اللعنة، أم أستمع لتحذيره الأخير؟
