Blog sho3oor

خلف جدار الملحق |البارت الثاني



​البارت الثاني: أنفاس في العتمة

​بقيتُ واقفاً في مكاني لعدة دقائق لعلّ نبضات قلبي الثائرة تهدأ، لكن الكلمات المكتوبة بحبر جدي الأسود الثقيل كانت تدور في عقلي كإعصار مدمّر. "فقد نبش قبراً لم يكن ينبغي له أبداً أن يُفتح".. ترددت العبارة في ذهني بصوت جدي الجهوري الراحل، وكأنه يقف خلفي في عتمة هذا الملحق المهجور. نظرتُ إلى الصندوق الحديدي الرابض في فجوة الجدار، ونظرتُ إلى الورقة الصفراء المرتجفة بين أصابعي. كان الخوف يهمس في أذني أن تراجع وأعِد القالب الطوبي إلى مكانه قبل أن تحلّ اللعنة، ولكن الفضول الحارق الذي كُبِت لسنوات طويلة في صدري كان أقوى من أي تحذير.

​حسمتُ أمري وضغطتُ على شفتيّ بقوة. أخذتُ نفساً عميقاً يملأ رئتي برائحة الغبار والرطوبة الخانقة، وانحنيتُ مجدداً على ركبتيّ فوق الأرضية المتربة. مددتُ يدي المرتجفة ببطء نحو تجويف الجدار، وأمسكتُ بالمقبض الحديدي الصغير للصندوق. كان بارداً كثلج كانون، وثقيلاً بوزن الأسرار التي يحملها بداخله. سحبته برفق، فأصدر احتكاكه بالأسمنت صوتاً مكتوماً تسبب في قشعريرة جمدت الدماء في عروقي.

​وضعتُ الصندوق أمامي على الأرض. لم يكن له قفل خارجي، بل كان موصداً بمزلاج معدني قديم يلتف حول أطرافه. مسحتُ بكفي كمية الغبار الكثيفة المتراكمة على سطحه، فظهرت نقوش دقيقة ومحفورة بعناية تمثل رموزاً مبهمة لا أفهمها. وضعتُ إصبعي على المزلاج، ورفعته ببطء. تملكني رعب حقيقي من أن ينبثق من داخله شيء مجهول، لكن ما حدث هو أن غطاء الصندوق انفتح بصرير خفيف، كاشفاً عن محتوياته التي لُفّت بعناية فائقة داخل قطعة القماش القطيفة الحمراء الداكنة.

​أزحتُ القماش بيدي، ليتضح لي ما كان جدي يحاول دفنه عن العالم أجمع. لم يكن الصندوق يحتوي على أوراق مالية أو وثائق أملاك كما قد يتبادر للأذهان؛ بل كان يضم بضعة أشياء غريبة ومقلقة للغاية. أول ما وقعت عليه عيناي كان دفتراً صغيراً بجلد أسود سميك، مغلقاً بشريط جلدي متآكل. وإلى جانبه، استقرت ساعة جيب ذهبية قديمة ومتوقفة عقاربها تماماً عند الساعة الثالثة وفجر دقيقة واحدة، ومكحلة برونزية عتيقة تشبه تلك التي تستخدمها نساء العائلة في المناسبات القديمة. ولكن الشيء الأكثر غرابة وإثارة للفزع، كان عبارة عن خصلة شعر سوداء طويلة مضفورة بعناية، ومربوطة بخيط حريري أحمر، وبجانبها صورة فوتوغرافية قديمة باللونين الأبيض والأسود.

​التقطتُ الصورة بِيَدٍ تكاد لا تقوى على حملها، ووجهتُ ضوء كشافي النحيل نحوها. كانت الصورة لامرأة شابة في مقتبل العمر، ملامحها شديدة الجمال لكن عينيها تحملا نظرة حزن وانكسار مرعبة، كانت ترتدي ثوباً قديماً وتقف في مكان مألوف جداً.. نعم، إنها تقف في حوش هذا المنزل ذاته، وخلفها تماماً يبدو باب هذا الملحق قبل أن يأكله الصدأ، وقبل أن يُهجر! أدرتُ الصورة لعلّي أجد اسماً أو تاريخاً، فوجدتُ مكتوباً بخط جدي ذاته عبارة واحدة اقتلعت الطمأنينة من قلبي: "الغائبة الحاضرة.. ضحية الصمت الصارم. 1975".

​تسمرتُ في مكاني، وشعرتُ بأنفاسي تضيق وجسدي يتصلب. من هذه المرأة؟ ولماذا لم نسمع عنها طوال حياتنا في هذا البيت؟ ولماذا وصفتها كلمات جدي بـ "ضحية الصمت الصارم"؟ هل للأمر علاقة بعبارة أمي الجافة التي تحرم علينا الاقتراب من هنا؟

​وقبل أن أستوعب حجم الصدمة، ولتكتمل وحشة تلك الليلة العاصفة، انقطع صوت المطر فجأة عن مسامعي، ولم يعد يُسمع سوى سكون قاتل. وفي وسط ذلك السكون، تناهى إلى أعماق الملحق صوت حركية خفيفة خلفي.. صوت أنفاس متلاحقة ومكتومة لا تصدر عني! التفتُّ بذعر ووجهتُ ضوء الكشاف نحو الباب الخشبي الموارب، فخُيّل إليّ أنني رأيتُ طيفاً أسود يمر بسرعة من الشق، تزامناً مع صوت خطوات حافية وسريعة تبتعد عبر الحوش الخارجي متجهة نحو البيت الرئيسي!

​انقبض قلبي بحدة، وأدركتُ في تلك اللحظة أنني لم أعد الشخص الوحيد الذي يعرف بشأن هذا القبر المفتوح، وأن اللعنة التي حذر منها جدي قد بدأت تتحرك بالفعل في عتمة هذه الليلة.