Blog sho3oor

روايات

خلف جدار الملحق|البارت الثالث والأخير

 


 البارت الثالث والأخير: حقيقة الغائبة

انطلقتُ خلف الطيف دون تفكير، مدفوعاً برعبٍ خالص امتزج بفضولٍ بات يهدد سلامة عقلي. كانت خطواتي تتخبط في حوش المنزل المظلم، وضوء كشافي المهتز يقطع عتمة الليل بومضات عشوائية. دخلتُ البيت الرئيسي عبر الباب الجانبي الموارب، وكان السكون الذي يلف الممرات أثقل من سكون المقابر. لم يكن هناك أثر لأقدام مبللة، ولا صوت لخطوات حافية، فقط صدى أنفاسي المتلاحقة وصوت دقات قلبي التي كادت تخترق صدري. تتبعتُ الممر المؤدي إلى غرفة أمي، ووجدتُ بابها مغلقاً بالكامل، ومن تحته ينبثق ضوء ضئيل.

وقفتُ خلف الباب أسترق السمع، فسمعتُ شهقات مكتومة، متبوعة بصوت أمي وهي تتحدث بنبرة باكية ومتهدجة لم أعهدها فيها من قبل، كانت تقول: "لقد فتح الصندوق.. عاد كل شيء يا أبي، عاد الصمت الصارم ليفترسنا من جديد". شعرتُ بصعقة جمدت الدماء في عروقي؛ أمي كانت تعلم، ولم يكن الطيف الذي رأيته سوى ظلها وهي تراقبني من شق باب الملحق!

عدتُ إلى غرفتي بخطى منكسرة وجسد يرتجف، حاملاً الصندوق الأسود الذي غنمتُه من جوف الجدار. جلستُ على الأرض، وأشعلتُ مصباح الطاولة الصغير، ثم مددتُ يدي إلى الدفتر ذي المجلد الجلدي الأسود السميك. فتحتُ غلافه المتآكل، لتستقبلني صفحات صفراء ملأى بخط جدي المهتز، وكأنها كُتبت في لحظات عمره الأخيرة. بدأتُ بالقراءة وعيناي تلتهمان السطور:

> "عام 1975.. لم تكن عائلتنا كما هي اليوم. كان لي شقيقة صغرى تُدعى 'نورة'، كانت روح البيت ونوره. وقعت نورة في حب شاب من عائلة ناصبتنا العداء لقرون، وحين علم كبار العائلة بالأمر، فرضوا عليها 'الصمت الصارم'؛ حُبست في هذا الملحق، وحُرم عليها الحديث أو الخروج، وطُمس وجودها من سجلات العائلة كأنها لم تخلق قط. لم يحتمل قلبها الرقيق هذا الظلم والوحدة، وفي ليلة عاصفة كقسوة قلوبهم، عند الساعة الثالثة وفجر دقيقة واحدة، توقفت ساعتها وتوقف قلبها معها. دفنوها سراً، وأقسمنا جميعاً على محو ذكراها خوفاً من الفضيحة.. هذا الصندوق هو كل ما تبقى من رائحتها، ومكحلتها، وضفيرتها التي قصصتها بيدي قبل أن توارى الثرى. يا بني.. من نبش هذا القبر فقد نبش عارنا، وأحيا ذنبنا الذي حاولتُ دفنه خلف الجدار لتستمر الحياة."

سقطت الدموع من عيني لتخضب الصفحات القديمة. انقشع الغموض وتبددت الأوهام؛ لم تكن هناك لعنة خارطة للطبيعة، بل كانت لعنة أعظم وأبشع.. لعنة الظلم البشري والقسوة التي تتدثر بثوب التقاليد. تلك الرموز المبهمة على الصندوق لم تكن طلاسم سحرية، بل كانت حفرًا بدائيًا لاسم "نورة" تآكلت أطرافه بفعل الزمن.

نظرتُ إلى الساعة الذهبية المتوقفة، وإلى خصلة الشعر السوداء، وشعرتُ بذنب الأجيال يثقل كاهلي. في تلك اللحظة، انفتح باب غرفتي ببطء، وظهرت أمي واقفة على العتبة، وعيناها حمراوان من البكاء. لم تنهرني ولم تصرخ، بل تقدمت ونحت بجسدها المتعب لتجلس بجانبي على الأرض. نظرتْ إلى محتويات الصندوق، ثم رفعت عينيها إليّ وقالت بصوت هادئ ومثقل بالراحة: "لقد حان الوقت لينتهي هذا الصمت يا بني.. حان الوقت لتعرف العائلة كلها أن لنورة قبراً حقيقياً يستحق الزيارة، واسماً لا يجب أن يُنسى".

أمسكتُ بيد أمي، ووضعتُ الصندوق بيننا. مع بزوغ أول خيط من خيوط الفجر، أحسستُ بأنفاس الملحق العتيق تهدأ، وأن أرواح الغائبين قد نالت أخيراً سلامها المستحق بعد طول انتظار خلف الجدار.

**تمت الرواية.**